محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
297
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
بذلك لنفسه تواضعا ؛ لأنه يرى نفسه دون ما صنع من ذلك لغلبة ذلك الشهود والوجد عليه ، فإن أثبته لنفسه ، ورأى أن نفسه فوق ما صنع مما يقتضي وجود صفة التواضع له بزعمه فهو متكبر حقيقة ولذلك قال الشبلي ، رضي اللّه تعالى عنه ، يوما في بعض كلامه : « . . . ذلّي عطّل ذلّ اليهود » . وقال : « من رأى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب » . وقال أبو سليمان الداراني ، رضي اللّه تعالى عنه : « لا يتواضع العبد للّه حتى يعرف نفسه » . وقال أبو يزيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « ما دام العبد يظنّ أنّ في الخلق من هو شرّ منه فهو متكبّر ، قيل : فمتى يكون متواضعا ؟ قال : إذا لم ير لنفسه مقاما ولا حالا ، وتواضع كلّ أحد على قدر معرفته بربه وبنفسه » . وقال أبو سليمان الداراني ، رضي اللّه تعالى عنه : « لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كاتّضاعي عند نفسي ما قدروا عليه » . وقال أبو يونس بن عبيد اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه ، وقد انصرف من عرفات : « لم أشك في الرحمة لولا أني كنت فيهم » . وقيل لمحمد بن مقاتل « 1 » : « ادع اللّه لنا . فبكى ، وقال : يا ليتني لم أكن أنا سبب هلاككم ! ! » . ومن علامات التحقق بهذا الخلق أن لا يغضب إذا عيب أو تنقّص ، ولا يكره أن يذمّ ويقذف بالكبائر . ومن علامات تحققه به أيضا أن يشتد حرصه على أن لا يكون له جاه وقدر عند الناس ويلتزم الصدق في حاله بأن لا يرى لنفسه موضعا في قلوبهم ، وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ] . وحكى عن أبي الحسن بن الكرابيسي أستاذ الجنيد ، رضي اللّه عنهما : أن رجلا دعاه ثلاث مرات إلى طعامه وهو يطرده ، ثم يردّه فيرجع إليه بعد ذلك ، حتى أدخله داره في المرّة الرابعة ، فسأله عن ذلك ، فقال : قد ريّضت نفسي على الذلّ عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد ، ثم يدعى فيعود ، ويرمى له عظم فيجيب ولو رددتني
--> ( 1 ) محمد بن مقاتل ، أبو جعفر العباداني ، أحد المشهورين بالصلاح والفضل والسنة ، روى عن حماد بن سلمة وعبد اللّه بن المبارك ، وروى عنه موسى بن هارون الحافظ وغيره . مات سنة ست وثلاثين ومائتين . ( تهذيب الكمال 17 / 258 ) .